أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
134
التوحيد
على ما فيها من الجهل الذي يعطيه بما به يرجو نجاته ، ويضره فيما به يطمع نفعه ، فذلك يحوجه إلى من يعلم عواقب الأمور ، حتى يروض نفسه على إشاراته ، دون أن يهملها لشهواتها ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم نرجع إلى مناظرة من أنكر الرسالة للوجوه التي ذكرها ، بعد إقراره بالتوحيد وإيمانه بالأمر والنهي ، مع ما فيما ذكرت من أدلة الأمر والنهي مقرونة بالحاجة إلى الرسالة كفاية لمن تصح نفسه . ثم نقول : يجب القول بالرسالة بضرورة العقل في إيجاب الحاجة إليها دينا ودنيا ، ثم في إثبات الأفضال من اللّه إن كان في العقل منه غنى ، فأمر الدنيا فيما به أيضا قوام الدين ، ونحو أن خلق البشر وجعلهم أهل المحنة ، وأنبت لهم من الأرض بما أنزل من ماء السماء أغذية لهم وأدوية ، ثم أنبت منها الأدواء والسموم القاتلة ، ومنح في عقولهم الامتحان بأنفسهم ليعرفوا المؤذي من المغذي ، لما لعل فيه عطب الممتحن ، وليس في العقول سبيل يعرف ذلك ، لزم القول بمن يطلعه اللّه على كل جوهر منها ليحيى بما يأكلون أبدانهم ويقيموا به دينهم . ثم في الابتداء ليس في العقول سبيل يعرف الوجوه التي تنبت من الزراعة وما فيها من التدبير ، ثم بعد التمام والعلم بجوهر لا بد ممن يعلم كيف يستعمله حتى يصلح للاغتذاء ، على اختلاف ما جعل لصلاح ذلك . ثم جعل في الطعام أنواع الأذى مما يدفع إليه المنتفع إذا لم يحفظ حدّه ؛ لأنه ممن يعلم حد ذلك ، ثم دواه إن ضرّه بالقدر الذي به يدفع ضرره . ثم علوم الطب مع تفاوت الطبائع واستعمال السموم القاتلة ؛ ليعرفوا قدر النافع مما يقوم معه البدن . ثم في أنواع الحرف التي بها قوام سترهم وكنّهم والوقاية لهم من الحر والبرد . ثم فيما خلقت لهم من الدواب الصعبة مما ليس يعلم المتأهل فيها أنها لأي منفعة خلقت ، ولا أنها لمنافعه خلقت أو لا ، ولا كيف يروضها ؛ إذ طبع كل منها النفار عما هي له ، حتى تنقاد وتخضع . ثم في أنواع التجارات التي لا يقوم لهم دين ولا دنيا إلا بها . ثم ما فرّق حوائجهم في البلدان ، الذي ليس في طبعهم ولا في عقولهم ما يدلهم أو يبيّن لهم في كل حاجة أنها أين تطلب ، ثم في معرفة طرقها ؛ إذ ليس في العقل ما يدل على مكانها ولا على طرقها . ثم في تعرّف الألسن التي بها قام النفس للمعاش وفهم المعاد ، ثم نتعرف الأسماء التي لولا هي ما فهمت حاجة ولا أمكن أحدا معرفة موضعها . ثم في وجوه أسباب التناسل ، وفي معرفة تربية الصغار . ثم في العلم بتدبير أغذية ما ليس يتطرق ، ثم بظهور - بعلم الخلق بعضهم من بعض - جميع ما ذكرت من الألسن والأسماء والحرف والطب والصناعات كلها وطرق البلدان ورياضة الدواب وكيفية استعمالها وجميع ما ذكرت هو الدليل البيّن أن أصولها تعليم وإشارة لا استخراج العقول ، واللّه الموفق . فهذا مع الأمر المعروف الموجود من فزع بعض إلى بعض عند النوائب وما